حيدر حب الله

139

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

العدالة ، فضلًا عن الوثاقة ؛ لأنّ العامل في أجهزة الدولة غير الشرعيّة أو الذي له صلة أو مراودة معها ، يمكن تفسير عمله بأكثر من وجه ، فقد يكون عمله مبرّراً ، وقد لا يكون ، ومن ثمّ فحتى لو فرضنا أنّ السلطان جائر ، وأنّه لا تجوز معاونته بالعنوان الأوّلي - وهو فرض ناقشناه في محلّه فقهيّاً « 1 » - مع ذلك فقد تجوز لمصالح المؤمنين أو المساكين المحتاجين ، وقد تجوز للتقيّة ، وغير ذلك ، فما لم نتمكّن من معرفة الملابسات لا يمكن الحكم بفسق الرجل ، بل الأمر في الوثاقة أوضح . والسبب في هذا كلّه أنّنا نتعامل مع فعلٍ صامت ، لا ندري ما هي ملابساته وظروفه ، وقد رأينا كيف أنّ علي بن يقطين ، كان مكلّفاً من قبل الإمام بالانخراط في أجهزة الدولة العباسيّة لخدمة المضطهدين ، فما لم نعرف الظروف والملابسات لا يمكن الحكم بالفسق ، وهذا ما نعتقده أيضاً في العديد من المحرّمات التي يكون صدورها غير واضحٍ في إفادة الطعن والذنب إلا بقرينة ، فلو اخبرتُ بأنّه شرب الخمر ، فهذا لا يمكّنني من إثبات فسقه لو كان يُعرف بالعدالة أو الصلاح ، أو لا يُعرف بفسق ، بخلاف ما لو قيل بأنّه كان شارب الخمر ، بما يعني أنّه مديمٌ لشربه ، فإنّ احتمال وجود مبرّر يغدو أضعف في هذه الحال ، فنتعامل مع الظاهر ووفقاً لمبدأ حسن الظنّ كما هي طريقة العقلاء والمتشرّعة في مثل هذه الموارد . ومن هنا نجد أنّ الشريعة قبلت بتوجيه السؤال إلى من يرتكب المحرّم الكبير الذي عليه عقوبة محدّدة ، هل كان يعرف بالحكم أو لا ؟ وقد قال جمهورٌ من الفقهاء بأنّه لو كان حديث عهدٍ بالإسلام لم نُقم عليه الحدّ ؛ لأنّه لا يعرف ، وقالوا بأنّ حدّ السرقة لا يُقام في عام المجاعة ، ولا يبعد أن تكون هذه النكتةُ عامّةً في باب القضاء والحدود ، بأن نوجّه للمتهم سؤالًا حول طبيعة الذنب الذي ارتكبه ، فهل كان عنده مبرّر له أو لا ؟ وهل لديه فيه عُذرٌ من جهل أو قهر أو إكراه أو غيره أو لا ؟ ولا يبعد أنّه في بعض الأحيان قد يُقبل

--> ( 1 ) انظر : حيدر حب الله ، إضاءات في الفكر والدين والاجتماع 2 : 322 - 330 .